الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

300

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وأيضا عيّن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ميزانا للحق والحقيقة عند الفتن واختلاف الناس فروى ابن ديزيل - وهو منهم ونقله ابن أبي الحديد في موضع آخر - أنّ رجلا جاء إلى ابن مسعود . فقال : إنّ اللّه تعالى آمننا أن يظلمنا ، ولم يؤمّنا أن يفتتنا . أرأيت إذا أنزلت فتنة كيف أصنع . فقال : عليك كتاب اللّه . فقال : أفرأيت أن جاء قوم كلّهم يدعو إلى كتاب اللّه . فقال ابن مسعود : سمعت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم يقول : إذا اختلف الناس كان ابن سميّة مع الحقّ يعني عمارا ( 1 ) . قلت : جعل عمّار ميزانا كالنص في أمير المؤمنين عليه السلام حيث إن متابعته له وكونه من خواصهّ عليه السلام أمر متحقق ، كما انّ مباينته مع عثمان واستحلاله دمه وتكفيره له أمر مقطوع ، ويظهر مباينته مع أبي بكر وعمر واعتقاده كون تصدّيهما للأمر ظلما من كلامه يوم الشورى الّذي رواه الكلّ ( 2 ) . « فقال عليه السلام لما أنزل اللّه سبحانه قوله ألم أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 3 ) الآية في أول سورة العنكبوت . « علمت انّ الفتنة لا تنزل بنا ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم بين أظهرنا » أي : وهو في الحياة . انما علم عليه السلام انّ نزول الفتنة ليس في حياة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم لأنّ للفتنة أسبابا كانت حياته مانعة منها . فمن يقدر منهم أن يدّعي كونه خليفته صلّى اللّه عليه وآله وسلم في حياته كما انّ فتن السامري لبني إسرائيل كانت بعد غيبوبة موسى عليه السلام ، وما دام كان شاهدا لم يمكنه ذلك . ونزول الفتن وان كان بعد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم : إلّا أنّ تهيئة أسبابها كانت من

--> ( 1 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 255 ، شرح الخطبة 43 . ( 2 ) رواه الجوهري في السقيفة : 90 ، والمسعودي في مروج الذهب 3 : 343 ، وأبو مخنف وعنه تلخيص الشافي 4 : 45 ، وغيرهم . ( 3 ) العنكبوت : 1 - 2 .